فخر الدين الرازي

419

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

حرّموا على أنفسهم المطاعم والملابس واختاروا الرهبانية وحلفوا على ذلك فلما نهاهم اللَّه تعالى عنها قالوا : يا رسول اللَّه فكيف نصنع بأيماننا أنزل اللَّه هذه الآية . واعلم أن الكلام في أن يمين اللغو ما هو قد سبق على الاستقصاء في سورة البقرة في تفسير قوله لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ [ البقرة : 225 ] فلا وجه للإعادة . ثم قال تعالى : وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وحفص عن عاصم عَقَّدْتُمُ بتشديد القاف بغير ألف ، وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم عَقَّدْتُمُ بتخفيف القاف بغير ألف ، وقرأ ابن عامر عاقدتم بالألف والتخفيف . قال الواحدي : يقال عقد فلان اليمين والعهد والحبل عقدا إذا وكده وأحكمه ، ومثل ذلك أيضا عقد بالتشديد إذا وكد ، ومثله أيضا عاقد بالألف . إذا عرفت هذا فنقول : أما من قرأ بالتخفيف فإنه صالح للقليل والكثير ، يقال : عقد زيد يمينه ، وعقدوا أيمانهم ، وأما من قرأ بالتشديد فاعلم أن أبا عبيدة زيف هذه القراءة وقال : التشديد للتكرير مرة بعد مرة ، فالقراءة بالتشديد توجب سقوط الكفارة عن اليمين الواحدة لأنها لم تكرر . وأجاب الواحدي رحمه اللَّه عنه من وجهين : الأول : أن بعضهم قال : عقد بالتخفيف والتشديد واحد في المعنى . الثاني : هب أنها تفيد التكرير كما في قوله وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ [ يوسف : 23 ] إلا أن هذا التكرير يحصل بأن يعقدها بقلبه ولسانه ، ومتى جمع بين القلب واللسان فقد حصل التكرير أما لو عقد اليمين بأحدهما دون الآخر لم يكن معقدا ، وأما من قرأ بالألف فإنه من المفاعلة التي تختص بالواحد مثل عافاه اللَّه وطارقت النعل وعاقبت اللص فتكون هذه القراءة كقراءة من خفف . المسألة الثانية : ( ما ) مع الفعل بمنزلة المصدر ، والتقدير : ولكن يؤاخذكم بعقدكم أو بتعقيدكم أو بمعاقدتكم الأيمان . المسألة الثالثة : في الآية محذوف ، والتقدير : ولكن يؤاخذكم بما عقدتم إذا حنثتم ، فحذف وقت المؤاخذة لأنه كان معلوما عندهم أو بنكث ما عقدتم ، فحذف المضاف . وأما كيفية استدلال الشافعي بهذه الآية على أن اليمين الغموس توجب الكفارة فقد ذكرناها في سورة البقرة . ثم قال تعالى : فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ . واعلم أن الآية دالة على أن الواجب في كفارة اليمين أحد الأمور الثلاثة على التخيير ، فإن عجز عنها جميعا فالواجب شيء آخر ، وهو الصوم . وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : معنى الواجب المخير أنه لا يجب عليه الإتيان بكل واحد من هذه الثلاثة ، ولا يجوز له تركها جميعا ، ومتى أتى بأي واحد شاء من هذه الثلاثة ، فإنه يخرج عن العهدة ، فإذا اجتمعت هذه القيود الثلاثة فذاك هو الواجب المخير ، ومن الفقهاء من قال : الواحد لا بعينه ، وهذا الكلام يحتمل وجهين : الأول : أن